azzajabr

Tuesday, August 02, 2005

مذكرات من هذه البلاد

لا أعلم لماذا خطر لي أن أكتب مذكراتي مع أني أعرف أن المشاهير هم من يكتبون مذكراتهم لأن حياتهم مليئة بالاحداث والمغامرات، حياتي كما ارها ليست ذات أهمية كبيرة لكن مع ذلك فإنني مصر على كتابة مذكراتي ولكم بعد قرائتها أن تحددوا اتنم ان كانت تستحق الكتابة أم لا.............

لن اكتب المذكرات كما كتبها غيري فكما قلت لكم انا لست مثلهم فحياتي مختلة تماماً عن حياة هيلري كلنتون أو حتى بيل كلنتون نفسه، ولا تشبه ابدا ابدا حياة المغنية صباح أو حتى حياة الراقصة .......... لا أعرف اسمها ولا أعرف لماذا كتبت مذكراتها اصلاً لربما تقرؤن مذكراتها بنهم أكبر من قرائتكم لمذكرات رؤساء الدول

لكني لست منهم فأنا أنسان بسيط جداً ولدت في مخيم، لالا ليس مخيم كشفي أو حتى مخيم صيفي إنه مخيم من مخيمات اللجوء كان ذلك منذ سنوات طويلة لا تعرف أمي اليوم أو الشهر الذي ولدت فيه كل ما تذكره أنني ولدت في موسم العكوب، والعكوب في بلادي نبته شوكية يقصقصون شوكها ويطبخونها إما مع اللبن أو مع البيض لا أعرف لماذا يحب أهل هذه البلاد كل ما يمت للشوك بصلة ولا أعرف لماذا ارتبط مولدي بموسم العكوب أعتقد أنها الصدف....

لم نكن في بحبوحة من العيش فوالدي العامل البسيط يعمل أسبوعاً في الشهر وثلاثة أسابيع يعمل على أيجاد عمل آخر، لكن وكالة الغوث لم تبخل علينا مشكورة فقد كانت ترسل لنا معونات دائماً وحتى في مدارسنا كانت تواظب على وجبات الحليب كل صباح على الرغم من أن معظم الطلاب كانوا يسقون فيها الزرع لكنها تصر بشكل غير طبيعي على ذلك
ولا ننسى طبعا الملابس التي كانوا يرسلوها لنا يا لألونها الزاهية ولكن للأسف لم تستخدمها أمي سوى لمسح أرضية البيت التي لا تنظف أبداً، ودعوني في هذه المناسبة أصف لكم بيتنا العزيز نعم هو عزيز جداً على الرغم من أنه لا يتكون سوى من غرفة واحدة هي كل شيء غرفة النوم وصالة لاستقبال الضيوف ومطبخ أرضها لا تحتوي على بلاط وسقفها من الزينكو والذي لا يعرف الزينكو لن أستطيع أن أصفه له ولن أستطيع أن أصف له النوم تحته في أيام الشتاء والمطر يحث تسمع من خلاله سقوط حبات المطر حبة حبة وصوتها كصوت الحجارة حين تسقط على قطعة المنيوم، اعتقد ان الصورة اصبحت واضحة لديكم، لم أخبركم عن الحمام، الحمام كان يبعد عن البيت مسافة ليست كبيرة جداً ولكننا كنا نحس بطولها إذا زنقنا في الليل فكم هو صعب المشي خارج المنزل وأنت نصف نائم تبحث عن الحمام، وكم من مرة أخطئت ودخلت عند جيراننا، لا يهم فهم ايضا اخطؤا مراراً ودخلوا بيتنا........

وبما أن بيتنا ملاصق لبيوت جيراننا فقد كنا كالعائلة الواحدة نسمع كل ما يدور عند الجيران ويسمعون هم بدورهم ما يدور عندنا، واذا ما حصلت مشكلة بين زوج وزوجته ترى الجميع يتدخلون في حلها فكلهم على علم بتفاصيل المشكلة، وإذا ما حصل فرح عند أحد ترى جميع سكان المخيم يحتفلون وكأن الفرح لهم، وإذا ما أصاب أحد مكروه تراهم ايضاً يداً واحدة......

كان والدي يصر إصراراً كبيراً على أن اتفوق في دراستي فقد كان التعليم هو الثروة الوحيدة التي من الممكن أن نمتلكها وبما أن التعليم كان مجاني على حساب وكالة الغوث وكانوا يوفرون لنا الدفاتر والأقلام والكتب فلم يكن هناك مشكلة أبداً إلا إذا انهيت المرحلة الاعدادية فمدارس الغوث تعتقد أن نهاية التدريس هو الإعدادية أو ربما لا ترغب في أن نتعب أنفسنا في الدراسة لأكثر من ذلك....
لكني كنت مصر على إكمال دراستي الثانوية ودخول الجامعة أيضاً لما لا فها أنا متفوق في كل المواد وها هي شهادتي في الصف الثالث الاعدادي تشرح النفس وتؤهلني بكل بساطة لأن أدخل حياة الثانوية بكل قوة....
وكان لي ما شئت بعد أن وعدت والدي بأن أعمل في الصيف لتأمين شراء الكتب والدفاتر والأقلام التي لن انعم بها بعد اليوم مجاناً
وجاء يومي الأول كان هذا اليوم بالنسبة لي بمثابة السفر إلى خارج البلاد فأنا لم أخرج من المخيم إلا لمرات قليلة فقد كنت أخشى المدينة دوماً......... دخلت المدرسة وأنا متردد أولاد كثيرون يرتدون ملابس نظيفة وجديدة لم تكن ملابسي وسخة لكنها قديمة قديمة جداً لا يهم لن ينتبه أحد إلي مع هذا الازدحام
وقفت في طابور الصباح كباقي الطلبة دخلنا الصف وبدأ الاساتذة بالتوافد علينا للتعرف ولتوزيع الكتب ولأعطائنا محاضرات في الأدب والأخلاق واحترام المدرسة ومواعيدها وووو إلى أن أصابني الصداع، لم اتحدث إلى أحد في هذا اليوم ولم يكترث لي احد لم يزعجني الأمر كثيراً فأنا لا أرغب في اقامة صداقات، وتوالت الأيام في المدرسة لا أعرف لما أحسست أن الجميع يتجنبني مع أنني لفت أنظار الأساتذة لجهدي وتفوقي لكن الطلاب يحاولون الابتعاد عني قدر الإمكان وكأن بي وباء... وجاء يوم أذكره تماماً ولا أستطيع أن أنساه كان في ذكرى النكبة أي ذكرى تهجيرنا من البلاد، ولتخليد هذه الذكرى وانا ابن النكبة أحببت أن أكتب موضوعاً نثرياً عن البلاد التي ضاعت وحلم العودة، لكني وعلى الرغم من كلمتي المؤثرة جداً فوجئت بزميل لي يصرخ في وجهي ويقول: (أنتم من باع البلاد) سكت ونسيت فمي مفتوحاً لعدة دقائق نسيت فيها الكلام لكنني أفقت مرة أخرى على صوته: (لماذا تركتم الأرض وهربتهم لماذا لم تصمدوا هناك، أنتم الآن عالة علينا) صرخت به بأعلى صوتي: (هل جربت أنت تلك المعاناة، هل قتلوا أمامك ابنك او والدك أو اغتصبوا اخواتك، هل حرق بيتك ودمر فوق رأسك، هل انتظرت الجيوش العربية لتأتي لنجدتك، هل نحن من رغبنا في الهجرة، اتعتقد يا اخي اننا نرغب في ان نكون عالة، لقد كان ابي يملك الأراضي والثروات هناك في البلاد فلماذا بنظرك سيترك كل تلك الخيرات ليأتي هنا نعيش في مخيم قذر ننتظر معونة وكالة الغوث وتحمل أمي مفتاح البيت في صدرها على أمل العودة ذات يوم، هل تعتقد أن كنوز الأرض ستغنينا يوماً عن أرض يافا وحيفا...........)
لن أنسى نظرات الاحتقار تلك التي كنت أراها في عيون أبناء المدينة وكأنني حشرة لست إنساناً، تلك كانت أول المعاناة التي عشتها فليس ذنبي أن أولد في مخيم وليس ذنب والدي أن هاجر خوفاً علينا وعلى أرواحنا، ولكني أقسمت أن أثبت للجميع أن ابن المخيم هذا قادر على صنع الكثير الكثير لذا ركزت أكثر في دروسي ونسيت كل من حولي على الرغم من محاولات الكثيرين منهم تهزيئي والسخرية من كوني (ابن مخيم).........
انتهت السنة الدراسية بخير وها أنا قد تفوقت على جميع من سخروا مني وحصلت على المرتبة الأولى بينهم جميعاً هؤلاء المرفهين الذين ينعمون بدفئ البيوت وراحة العيش، بدأت أعمل جاهداً في العطلة الصيفية لاوفر ما أحتاج إليه في دراستي، وحين تناولت أول راتب فرحت جداً وأحببت أن أشرك عائلتي فرحتي فقررت أن أغامر واشتري تفاح، حملت كيس التفاح وبه حبات قليلة وكأنني أحمل كنزاً كبيراً وحين وصلت البيت وفاجئت من فيه بهديتي الثمينة نظرت أمي للتفاح ونزلت من عينها دمعة كبيرة وقالت: (أي هاظ تفاح الله يرحم تفاح البلاد الحبة كانت تشبع خمسه) سكت لم استطع ان اجيبها واحترمت ذكرى البلاد التي لم تنسها يوماً لكني في نفس الوقت كرهت هل الفاكهة الموجودة في الأسواق لأنها لا تشبه ولا بأي شكل من الأشكال فاكهة البلاد...........

وجائت السنة الحاسمة انه التوجيهي ولمن لا يعرف ما هو التوجيهي هو السنة الاخيرة من المدرسة سنة الرعب الذي يخاف منه الجبابرة نعم صدقوني فالكل ينظر إليك بعين الشفقة اعاننا الله عليها ولكني كنت مصراً على التفوق للحصول على منحة لانه بدون المنحة تلك لن استطيع ان اكمل تعليمي الجامعي، وانتهت الايام بسرعة او ببطء لست أذكر لكني اذكر يومي الاول في الامتحانات النهائية وترتبط هذه الذكرى بذكرى حزيران هل تعرفون ما هي ذكرى حزيران نعم انها النكسة كان ذلك في عام 1967 وعلى سبيل الدقة في 5/حزيران لم نكن نتوقع ان يحصل نكسة اخرى بعد ال 48 كنا نعتقد اننا تعلمنا من الدرس الأول ولكن هيهات فالعرب لا يحملون لنا الا الكلام...
تركت مقعد الامتحان وخرجت مع الكثيرين غيري من الطلاب نطلب السلاح لنقاتل فلن نتركهم ليهجرونا مرة اخرى حملت سلاحاً طرازه قديم، سمعنا فيما بعد انه تم تهريبه من دول عربية شقيقة كم ارغب في ان اشكرهم على تلك الاسلحة التي لا تصلح سوى عصا نرعى بها الأغنام لا ألومهم صدقوني فقد قدموا ما استطاعوا
لكنا حين سمعنا أصوات الدبابات تدخل المنطقة هللنا وصرخنا لقد وصلت الجيوش العربية لا تقلقوا لن تخرجوا من بيوتكم مثل المرة الأولى
وفعلا لم نخرج من بيوتنا ولكن تفاجئنا ان الدبابات التي وصلتنا ما هي سوى قوات الاحتلال الاسرائيلي وليست جيوشنا العربية الباسلة والتي عرفنا لاحقاً أنها تلقت الأوامر بأن لا تتقدم
وجائت سنة اليأس والاحباط خرج القليل من ديارهم وتوجهوا نحو الاردن او مصر سموا نازحين لتميزهم عنا نحن اللاجئين ليست مهمة التسمية بالنسبة لي فكلنا خارج الوطن.........
تأجلت حلم الجامعة ايضاً لأن كل من غادر قاعة الامتحان اعتبر راسب ولم يراعوا حالة الحرب، كم انا أحمق كيف سيراعون ذلك والاحتلال هو المسيطر الآن على كل شيء تعليم صحة وهوالمسيطر على الهواء الذي نتنشقه......
حاولت التركيز أكثر في دروسي بعد ان استنتجت أن لا شيء مجدي الآن سوى شهادتي، انهيت التوجيهي بنجاح وبتفوق جعلتي أحس للمرة الأولى بالفرح ليس لفرحي انا فقط بل لرؤية الفخر والاعتزاز في عيون والداي.....
حصلت على المنحة التي كنت اتمناها كان علي أن أودع البلاد لأربع سنوات، لا يهم فأنا سأعود لها ومعي ما ينفعها
سافرت ودموع أمي تحرق قلبي وتوصياتها ترن في أذني
في الأردن كان لي قصة أخرى لا احد سيقول لي أن لاجئ ابن مخيم لا فهنا المعادلة مختلفة تماماً، أصبح لي الكثير من الأصدقاء كنا نجلس كثيراً نتحدث في امور السياسة والاحتلال فمعظم من كان معي فلسطينيين لكن يبدو أن الحكومة الأردنية اعتقدت أننا حزب سياسي فاستجوبت معظمنا لتتأكد من أننا لا نرغب في انشاء حزب سياسي .........
مرت السنوات الأربعة بحلوها ومرها لكنها والحمد لله انتهت على خير، وعدت للبلاد أحمل معي شهادتي وللعلم فقد درست صحافة واعلام لا اعلم لماذا استهواني هذا التخصص كثيراً ربما فكرت انني ساوصل صوتي وقضيتي عبر الصحافة ربما......
أربع سنوات هي غربتي عن الوطن عن المخيم الذي تغيرت ملامحه كثيراً فهناك بضع بيوت بنيت ولو بشكل عشوائي، وهناك من تخلص من الزينكو، أعتقد أن الناس تأقلمت مع الحياة هنا وانهم رأوا أن حلم العودة مازال بعيد........

كانت الأوضاع السياسية قد تغيرت كثيراً فهناك الكثير من الجماعات التي تحاول العمل ضد الاحتلال، كنت اتمنى ان اكون أحد هذه الجماعات ولكني لم استطع الدخول اليهم بكل بساطة، إلى أن كتبت مقالة في صحيفة محلية كانت مقالتي تصف حال الاحتلال، فتم اعتقالي على الفور وتم التحقيق معي لساعات وساعات لمعرفة ان كنت انتمي الى فصيل معين او ان كنت سأكتب مرة أخرى بهذه الطريقة المستفزة للاحتلال، كانت تلك تجربتي الأولى مع الاعتقال لن انسها ما حييت، وحوش هم بصورة بشر لا يعرفون رحمة ولا شفقة، يتخلل التحقيق جميع انواع التعذيب التي مهما وصفتها لكم لن تصدقوها......
خرجت من المعتقل بعد ان تأكدوا انني غير منتمي إلى فصيل معين، خرجت لابحث عن فصيل لاعمل بشكل منظم اكثر نعم سأعمل ضد من عذبوني منذ الولادة سأعمل ضد من شردوني وجعلوني اعيش في مخيم واترك ارضي لهم لينعموا بخيراتها.......
وقبل ان ابحث انا عن فصيل بحث الفصيل عني، فبعد ان عرفوا انني اعتقلت بعثوا لي ببعضهم لينظموني في فصيلهم وبالفعل كان ذلك وبدأت بالعمل الحقيقي ضد الاحتلال الى جانب المقالات التحريضية التي كنت اكتبها باسم مستعار حتى لا اعتقل مرة ثانية، كانت المقاومة على اشدها من الداخل ومن الخارج فعمليات هنا وعمليات هناك وكنا نستمتع بتعذيب الجنود نفسياً، ففي مرة كانت فتاة صغيرة تجلس على شرفة منزلها وتحمل في يدها مرآة انعكست المرآة بفعل الشمس على جندي كان يقف على سطح منزل قريب مما استفزه استفزازاً عظيماً واعتقد ان الفتاة تقصد ما فعلت، وحين انتبه اهل الحي حمل كل واحد منهم مرآة وبدأوا يعكسون ضوء الشمس في عيون الجنود الموجودين في المنطقة، وفي الليل كنا نربط في ذيل القطط خيط مشبوك بقطعة معدنية، فحين كانت تمشي القطط تسمع اصوات مزعجة تصدر على القطع المعدنية المشبوكة بها مما كان يثير جنون جنود الاحتلال، هل ترغبون في سماع المزيد مما كنا نفعله ليستفزهم سأخبركم في ما بعد ربما يجيء في سياق الحديث.....
وفي عام 1989 كانت الانتفاضة الأولى تلك الانتفاضة التي سميت بالشعبية لان جميع افرد الشعب شارك فيها الكبير الصغير، الرجل والمرأة، الطاعن في السن جميعنا كنا يداً واحدة لم نملك سوى العزم والحجر، نعم كانت ثورة الحجر، جن جنون الاحتلال ربما رغبوا في بقائنا صامتنين ربما فكروا في ابادتنا للابد كما فعلت امريكا في الهنود الحمر (السكان الاصليين) ولكن هيهات فهذا الشعب موجود وسيبقى موجوداً......
كانت تلك الانتفاضة بقسوتها رائعة نعم هي حقاً رائعة كان فيها من الصمود ما يجعل الجميع ذاهلاً امام الطفل الصغير وبيده حجر يقف امام دبابة لا يهابها ابداً......
بدأت عملية الاعتقلات بشكل موسع، مداهمات، هدم منازل، قتل عشوائي، تعذيب في السجون لكن الصمود يزداد يوماً بعد يوم.....
اشكال المضايقات كانت كثيرة كانوا يحتلون اسطح المنازل ليبقى الحي كله تحت المراقبة وفي كثير من الاحيان كانوا يطردون سكان المنازل العالية ليجعلوها مركز مراقبة، استخدموا اساليب عدة في ازعاج الناس اطلقوا كلابهم ليلاً، منعونا من التجوال، وفي كثير من الليالي كانوا ينادون في السماعات (على الرجال من سن 12 حتى سن 50 التوجه نحو باحة مدرسة ....... والي بنلاقيه في بيته يا ويله) كنا نسميها بـ(اللمة) كانوا يعتقدون اننا نبلغ سن الرجولة من الثانية عشر او حتى قبل ذلك، لنعد للمة كانوا يضعونا في باحة المدرسة جالسين على الأرض وايدينا مربوطة للخلف لا لشيء ولكن ربما كانوا يتسلون او ربما ارادوا ان يروا نظرة الانكسار لكن هيهات، لقد حولنا اللمة من وسيلة تعذيب الى وسيلة للتسلية، نعم كنا نطلق النكات ونضحك بشكل مستمر، ونتذكر اموراً كثيرة، فينقلب السحر على الساحر ليستفزوا هم ونبقى نحن في روح معنوية مرتفعة جداً، حتى ينتهي النهار أو حتى الليل فيعيدونا إلى منازلنا.... برغم قسوتها كانت جميلة تلك الايام..........

كنا نحرم من حقوقنا كلها، التعليم، الصحة، النوم، التنفس، حتى رفع العلم كنا نحرم منه، كنت احب كغيري أن اسمع لمرسيل خليفة ولفرقة العاشقين وكنت اجمع الكثير من الكتب السياسية (مهربة طبعا) كانت لدي مكتبة ضخمة جداً لم اعتقد ان مكتبتي هذه تشكل أي خطر على أمن اسرائيل، لكنني اكتشفت ذلك ذات ليلة حين أتوا لاعتقالي ليلاً، صرخت أمي ليستيقظ المخيم كله (ولك شو بدك فيه يا كلب) وبدأت في شدي والجندي يشدني من الناحية الأخرى ولولا أنني طلبت منها ان تتركني لاصبح ذلك الجندي فريسة تنهشها أمي، قلبوا البيت رأساً على عقب لم يبقوا شيئاً في مكانه صادروا كل كتبي واشرطتي وثار جنونهم حين رأوا علماً تحت وسادتي، اعتقلوني لايام بسيطة ثم خرجت يبدو ان تهمتي كانت حيازة الكتب ليس أكثر يريدونا جهلة لا نعرف ما لنا وما علينا..........
ومن الأمور الرائعة التي كانت تحدث حيث حين يعتقل الجنود احد الشبان في المظاهرات تركض بعض النساء لتخلصه من ايديهم فهذه تصرخ (ولك ابني اتركه) وتلك (هاظ اخوي ولك هاظ مريض شو بدك فيه) وطبعا لا صلة قرابة بينهم ولا معرفة حتى، لكن كثيرات هن من خلصن الشباب من ايدي الاسرائيليين (ارداة قوية صلبة) وكم من امرأة ضربت جندي وتهجمت عليه وتراه يتراجع خوفاً منها ومن حدة عيونها وصلابتهم.......

كان الشباب يرفعون الأعلام ليلاً على مأذنة الجامع أو على مبنى عالي أو حتى على عمود الكهرباء، وهذا الأمر كان بالغ الخطورة لدى الجنود لا أعرف لماذا فكانوا يخرجون كل الحي لانزال العلم المرفوع ومن احد النكات على هذا الموضوع أن جندياً أيقظ حاج من النوم مبكراً ففزع الحاج وسأله ماذا هناك؟ فاجاب الجندي اخرج انزل العلم من على عمود الكهرباء، وبكل بساطة وبرود أخرج الحاج من جيبه علم آخر واعطاه للجندي بدل ان ينزل العلم المرفوع..........
وليست الاعلام وحدها المستفزة بل كانت الشعارات المكتوبة على الجدران مستفزة اكثر مع انه من الممكن أن لا يفهموا ما هو مكتوب ولكنهم كانوا يجبروا أهالي الحي أيضاً (ويختاروا كبار السن وكأنه عقاب لابنائهم) كانوا يجبروهم على مسح الكتابات على الجدران.........
كثيرة هي تلك الاحداث حتى أن رأسي لا يتذكر كل الأمور تلك........

وجائت تلك السنة، تلك التي حملت لنا الكثير نعم انها حرب الخليج لم نكن نتوقعها فعلاً سمعنا الكثير قبلاً ولكن أن تكون واقعاً ذلك كان بعيد عن أذهاننا، فرحنا لا أنكر ذلك ليس كما اعتقد اخواننا الكويتيون لان العراق احتل الكويت لا لم يكن ذلك ما افرحنا لقد فرحنا لانه وللمرة الأولى سنرى من يضرب اسرائيل في عقر دارها، كنا نترقب هذا الحدث بشدة، وكنا نستمتع بمنظر اليهود وهم فزعين كفأران هاربة من قط شرس.....
وبدأوا بتوزيع الكمامات ضد الغاز الذي سيطلقه صدام عليهم، ياه ما اروع تلك المناظر يتنافسون يتناحرون ليحصلوا على كمامة
والحق يقال فلم تبخل الحكومة الاسرائيلية علينا بالكمامات فقد طلبت من كل المواطنين التوجه للادارة المدنية التابعة لمنطقته للحصول على كمامة، وقد ذهب البعض للحصول على هذه الكمامات ليجدوها تالفة غير صالحة وهناك من قال (لم أرى بعيني) أنه تم وضع العاب بدلاً من الكمامات ربما ارادوا الترفيه عنا في اجواء الحرب
وبدأت الحرب فعلاً وقد كنا حضرنا لها ببعض المعلبات وهناك الكثيرين من خصوصوا غرفة محكمة الأغلاق خوفاً من الكيماوي الذي سيطلق على اسرائيل والذي لن يفرق بين عربي ويهودي
وكان أول صارخ سمعنا صفارات الأنذار تصدح في كل مكان فتحنا التلفاز لنرى الهلع والفزغ، ومن المذياع يخرج صوت المذيع بخوف (اطلقت صفارات الانذار على الجميع التوجه نحو الغرف المحكمة الاغلاق..............) ويعطي التعليمات كاملة
لكننا خرجنا الى الشوراع والى اسطح المنازل ننظر الي السماء بانتظار هذا الصاروخ انه هناك هل ترونه، تطلق الحناجر بالتكبير والدعاء والتهليل
واستمر هذا الحال مع كل صاروخ ينزل، مع العلم أن طوال فترة حرب الخليج كان التجوال ممنوعاً يفتح فقط كل ثلاث ايام ليتمكن السكان من شراء حاجياتهم..........
كانت اياماً لا تنسى، هل نحن شعب عاطفي لهذه الدرجة هل نتعلق بقشة كحال الغريق، لا أعلم لكنها كانت فترة عشناها بحلوها ومرها إلى أن انتهت بهزيمة العراق طبعاً كما تعرفون لم تكن هزيمته هو فقط بل كانت هزيمة معنوية لنا أيضاً كنا ننتظر أن يطلق الكيماوي عليهم كم كنا أغبياء في تلك المرحلة.............

انتهت الحرب كانت النهاية قاسية كنهاية كل الحروب العربية، عادة الحياة الي وتيرتها الأولى مظاهرات مسيرات منع تجوال اعتقالات ...... الخ
لكن الذي لم يكن في الحسبان هو الاتفاقات السرية التي لم نكن نعلم عنها شيء نعم اتفاقات السلام، كنا نتوق الى السلام ولكن لم نكن نتوق يوماً على الاستسلام، مرت الأيام وأعلن على الملئ اتفاق اسلو الذي وقع في البيت الأبيض لم أكن اعلم هل كان علي أن ابكي حزناً أم أفرح كما فرح غيري لأن أيام الاحتلال شارفت على النهاية
جرت الأمور بسرعة وبدأ الانسحاب من بعض المدن اولها غزة واريحا حين زار الرئيس (أبو عمار) اريحا كنت اول المستقبلين له فتح ابوابه للجميع كانت فرحة لا توصف صدقوني ها انا امامه اصافحه اقبله واحمل صورتي لاضعها في قلب البيت بجانب العلم ولا أحد يهددني باخذهم أو مصادرتهم كما اعتدنا.........
كنا في شوق لأشياء كثيرة أهمها العلم لكم أن تتصوروا الكم الهائل من الأعلام بتنا نراها في كل مكان على الملابس على الميداليات على السيارات على اسطح المنازل وكأن الناس في شوق لرؤية هذه الالوان الأربعة مجتمعة...........
أصدقكم القول كانت تلك الايام رائعة جديدة أعطتنا أمل هدوء راحة بعد سنين تعب واعتقدنا أنها ستكون فاتحة خير لدولة لحل..........

فكرت في السفر إلى الخارج لنزهة طبعا فقد كنت ممنوعاً من السفر ايام الاحتلال، وأصبح بامكاننا الاتصال خارج البلاد فقد كانت هذه ايضا ممنوعة كنا منقطعين عن العالم واصبحنا اليوم معهم في كل شيء
بدأت وفود العائدين بالتقدم نحو الوطن استقبلناهم افضل استقبال فها هم الذين تركوا البلاد وهجروا إليها يعودون اليوم ليعانقوا ترابها وشمسها
وتمر الأيام رخاء سياسي لم نشهده منذ سنوات طويلة ولكن هذا الرخاء لم يجعلنا ننام فقد كانت هناك الكثير من الانتفاضات البسيطة منها انتفاضة النكبة وقد كانت في ذكرى النكبة وانتفاضة الاسرى وانتفاضة النفق ولكن هذه الانتفاضات تختلف كلياً عن سابقتها، فقد كان الشبان يتوجهون إلى مداخل المدن التي لم يدخلها جنود الاحتلال منذ انسحابهم منها، يرشقونهم بالحجارة ويردون هم عليهم باطلاق النار ولكن الجنود لم يتقدموا مرة واحدة لاعتقال أحد وكان ردهم يأتي خفيفاً دائماً..........

لن اتحدث طويلاً عن تلك المرحلة ففي اعتقادي هي المرحلة الخاطئة التي مررنا بها.........


ومرت السنوات التي حملت لنا الرخاء والهدوء الذي لم تعتد عليه، إلى أن أتى ذلك اليوم اذكره كانه البارحة نعم كنت اسير في شوارع المدينة متجهاً إلى عملي كالمعتاد لكن يبدو انني غفلت ذلك اليوم فلم اسمع اي اخبار، تفاجئت كثيراً بالجماهير الحاشدة كلها متجهة في اتجاه واحد سألت أحد المارة عن السبب فأخبرني (شو انت مش من هالبلاد ولك شارون بدو يدخل الاقصى الله يلعنه) قالها بعصبية وبعنف وكأنني انا شارون تركته وذهبت باتجاه موقف سيارات القدس كان من السهل علينا دخول القدس على الرغم من مطالبتهم بتصاريح دخول الا اننا نسلك طرقاً اخرى يعرفونها هم ولكن يغضون النظر في كثير من الاحيان، وصلت الموقف وسألت عن السيارة المتجهة سألني سائق السيارة سؤال لم اعتده (معاك تصريح؟) اجبته (لأ طبعاً ومن امتى التصاريح؟) اجابني بكل حزم (بس اليوم في تشديد اليوم شارون الحقير بدو يدخل الاقصى وهمه خايفين وعاملين تشديد على المداخل) تراجعت عن فكرة التوجه الى القدس مع اني رأيت أعداد من الناس تتوجه هناك لكني عدلت عن تلك الفكرة جلست افكر وافكر كيف سيكون الغد هل هبة هؤلاء الناس عادية ام ستتطور.........

لم يمهلني التفكير كثيراً فها هم الشباب الصغار يتجهون نحو مداخل المدن وتصدع في المدينة اصوات اغاني وطنية منذ فترة لم نسمعها، لا اعرف لماذا تحرك الناس بهذا الشكل وكانهم ناموا فترة واستعادوا نشاطهم....

عدت الى البيت اخر النهار وانا اترقب كغيري الاحداث التي تجري لم اعرف كيف سأشارك هل كبرت في السن، نعم انا الان في سن لن يسمح لي بان اذهب لالقي الحجارة مع الاطفال على المداخل لكني سأكتب نعم سأكتب لكن ليس الان الحدث غير مكتمل......
مر يوم يومان وظهر محمد الدرة ذلك الفتى الذي استشهد في حضن والده ذلك الذي حرك مشاعر الكثيرين عرب مسلمين اجانب وحتى يهود واعتقد انه كان سبب في اشعال الانتفاضة واستمرارها، بدأنا نستعيد الايام الماضية ولكن بصورة مختلفة فهم لم يدخلوا المدن فما زالوا على اطرافها لكنهم اغلقوا كل الطرقات وفصلونا عن بعضنا البعض اصبح التنقل بين مدينة واخرى شبه مستحيل هذه هي المرة الاولى التي لم نستطع فيها تجاوز الحواجز ربما كان ذلك بفعل الصدمة

وجاء يوم حل بالمدينة فزع هلع حركة غير طبيعية، نظرت عبر نافذة مكتبي لأرى الناس تروح وتجيء لم اعرف ما الذي يحصل نزلت بسرعة من المكتب كما فعل كل زملائي نسأل ما الذي حدث من هنا كلمة ومن هناك جملة فهمت بالتقريب أن هناك مستعربين قد دخلوا المدينة وكلمة مستعربين للذين لا يعرفونها هم جنود اسرائليين مدربين على التحدث بالعربية بطلاقة وعلى العادات العربية وحتى ملامحها عربية يرتدون الملابس المدنية يدخلون بين الناس يعتقلون يقتلون من دون ان يشك احد فيهم وفي هذه الانتفاضة كان لهم دور كبير جداً،
مشيت نحو وسط المدينة لارى الناس قد تجمهروا يريدون ان يعرفوا ما الحاصل بالضبط، بدأت الشرطة بتفرقة الناس ونصحهم بالتوجه نحو بيوتهم وبالفعل بدأت الناس بالتفرق والتوجه نحو البيوت ربما سماع الاخبار في البيت هو الطريقة الأسلم........
وصلت البيت لأعرف الخبر اليقين فقد دخل هؤلاء المستعربين بسيارة تحمل لوحة فلسطينية قرب مسجد جمال عبد الناصر في مدينة البيرة اكتشف ذلك بعض من الشباب المتواجدين هناك فصرخوا باعلى صوتهم ان هناك مستعربين ولأن تلك المنطقة دائمة الازدحام هجم المتواجدين عليهم كانوا ثلاث مستعربين مسلحين، لكنهم لم يقاوموا الجموع الغفيرة التي حاولت تمزيق اجسادهم وكان كل واحد منهم يحاول ان يضع حقده منذ سنوات في اجساد هؤلاء المستعربين، في النهاية تم نقلهم الى مقر الشرطة القريب جداً من المنطقة بعد ان قتل اثنان وبقي الثالث بين الحياة والموت ويبدو أن رجال الشرطة ايضا نسيت ان عليها ضبط النظام والامن فقد شاركت بكل فرح في ضرب هؤلاء الجنود المستعربين.........
بعد هذه الحادثة انتظر الجميع بترقب وحذر شديدين، الطائرات المقاتلة الاسرائيلية تحوم في السماء والتوتر بادي على الجميع إلى أن رأينا الصواريخ تنطلق من الطائرات لتتجه إلى مكان لم نستطع تحديده بالدقة لكن الاخبار في بلادي سريعة الانتشار فقد علمنا بعد دقائق ان القصف استهدف مركز الشرطة ذلك المركز المبني منذ ايام الانتداب البريطاني.........
بعد القصف مباشرة خرج الجميع الى الشوارع والى المركز ليروا على الطبيعة ما حدث
هذا هو حال شعبي لا يستطيع ان يجلس في البيت دون ان يشارك ولو مشاركة معنوية.............

بعد هذه الحادثة أصبح القصف شيء عادي جداً بل أصبح الناس يتكهنون بالمناطق التي سوف تقصف ولكن الظاهرة التي باتت مقلقة للغاية هي الاغتيالات على الرغم من انها ليست سياسة جديدة على اسرائيل ولكنها اليوم مختلفة في كثرتها، أصبحت الناس تدرك معنا وجود الطائرة الزنانة في السماء تلك الطائرة التي تكتشف المنطقة لفترة طويلة ثم بعد ذلك يغتال احد القادة، بات القتل شيء عادي جداً أصبحت جنائز الشهداء روتينية ويومية حتى ان الدموع جفت، صورهم في كل مكان لن نستطيع ان ننساهم وللاسف اغلبهم كانوا أطفالاً، شربنا حسرتهم كما شربنا في الماضي حسرة فقدان البلاد، لكنا شعب سهل التأقلم مع كل الاوضاع تغلبنا على الحزن وصار يوم الجمعة هو موعد خروج المظاهرات والمسيرات فبعد صلاة الظهر يخرج الاف الفلسطينيين للحواجز رافعين الاعلام الفلسطينية يصلون هناك وتبدأ طلاقات النيران والغاز المسيل للدموع الاطفال تركض من هنا وهناك الحجارة تتساقط على رؤسهم من كل مكان ويأتي أخر النهار يذهب الجميع إلى البيوت ويبقى الأطفال في انتظار اليوم التالي للمواجهة هؤلاء الاطفال الذين ولدوا في اسلو هؤلاء الذين عولت اسرائيل على انهم ابناء السلام لكنهم مع ذلك تابعوا المسيرة لم يخافوهم وقد تدربوا على رمي الحجارة على اهداف وهمية وهي اليوم حية امامهم..........

اغلقت الطرق بشكل لم نعتد عليه في الماضي كانت توضع الحواجز العسكرية للتنغيص على الناس واليوم يضعوها لاغلاق المدن وتقطيع الاوصال أصبحت هناك مسميات لطرق جديدة واصبح هناك حواجز دائمة، حاجز سردا مغلق اليوم لنسلك طريق جوال لكنها مغلقة ايضاً، لا يهم فهناك طريق جديدة، هكذا هي أحوال الطرق يومياً يغلقون طريق فنبحث عن غيرها فوراً وعلى الرغم من معرفتهم بذلك الا انهم كانوا يتلذذون بتعذيبنا، أصبحت المسافة التي كانت تستغرق ربع ساعة تاخذ يوماً كاملاً ولكنا لم نيأس على العكس كان التحدي رائع وكعادتنا نتحدى ونخرج بما نريد........
تلك الايام قاسية للغاية على الرغم من اعتيادنا على الموت لكن لن تتخيلوا مدى قسوته حتى ولو لم تكن تعرف الشهيد الا انك كنت تبكي وتبكي عليه وكانه ابنك او اخوك، أصبحت اخاف على من هم حولي كثيراً لم اخف على نفسي ابداً لكني خفت ان افقد أحد اللذين احبهم فاشرب تلك الحسرة التي اشربها ليل نهار.......
بيوت العزاء في كل مكان، ايام الحداد اصبحت كثيرة، وأصوات الرصاص بات من الاصوات العادية جدا جدا، وفي ليلة كان القصف شديداً للغاية اخذت ابنتي تبكي وتبكي بدانا نهدأ من روعها ونخفف عنها صرخت وقالت: لست خائفة على نفسي أخاف عليكم اخاف ان افقد احدكم، لو مت لا يهم سأكون شهيدة ولكن لو فقدتكم سأعيش طوال عمري وحيدة..... لم يكن شعورها غريباً بل اعتقد انه اصبح شعور الكثيرين لان في كل يوم يفقد عزيز وكم هو صعب فقدان الاعزاء..........


بعد بضعة اشهر صرنا نسمع عن شيء اسمه اجتياح مناطق مصطلح جديد كغيره من المصطلحات التي تدخل في قاموسنا يومياً لم يكن الامر غريبا او مستهجنا لا فمنذ اعوام قليلة كانوا هنا بيننا ليس غريبا ان يعودوا ولكن كيف ستكون عودتهم هذا ما كان يقلقنا وبخاصة وجود شخص كشارون تاريخ الاسود يشهد بجرمه، ايام طويلة من القصف الليلي المتواصل اعتدنا عليها واصبحت روتيناً عادياً لكن الليلة ليست ككل ليلة فهي الليلة الاولى للاجتياح لم تكن صعبة بقدر ما كانت مقلقة لم نعرف ماذا يخططون، التزمنا بيوتنا ليس خوفاً ولكنه الترقب، صباح اليوم التالي للاجتياح تم فرض حظر التجوال لم يكن على جميع المناطق لكن على مجمل المناطق، لم يبقوا طويلاً اربع ايام فقط ثم تم الانسحاب، وكأن هذه الايام الاربعة كانت تمهيداً لما بعدها من اجتياحات.........
وفي اواخر شهر آذار سمعنا اصوات مجنزرات من جديد اقلقت نومنا واحلامنا، بدء الترقب من جديد ولكن الخطر هذه المرة حقيقي، تم محاصرة مقر المقاطعة ذلك المبنى الذي بني ايام الانتداب البريطاني والذي شهد الكثير الكثير من ذكرياتنا فقد كان ايام الاحتلال سجن مركزي ثم بعد ان اتت السلطة جعل مقر للرئيس الفلسطيني، وللعلم ففي كل محافظة هناك مبنى يطلق عليه (المقاطعة) ولكن مقاطعة رام الله اكتسبت تلك الشهرة كونها حوصرت ذلك الحصار اللعين..........

جاء الصباح لم نكن قد نمنا في الليلة السابقة نقلب في القنوات الفضائية علنا نجد شيئاً أو علنا نعرف ماذا يحصل في الخارج، قناة الجزيرة (مشكورة) هولت الاحداث صحيح أن الوضع لم يكن طبيعي ولكن لم يكن بتلك الدرجة التي تحدث اليها مراسلوا الجزيرة....
سمعنا عن أول شهيدة كانت -رحمها الله- تسكن بالقرب من المقاطعة ولخوفها على طفلها اصرت على زوجها أن تذهب لمكان آخر آمن وما ان خرجت وركبت السيارة حتى أطلقوا عليها قاذفة اودت بحايتها وحياة طفلها وبقي زوجها في المستشفى لعدة ايام .........
بعد الاجتياح بعدة ايام تم قطع اسلاك الهاتف والماء والكهرباء عن منطقة المقاطعة كي يقطعوها عن العالم والبيوت المجاورة لها عوملت بالمثل، سكان تلك المنطقة كانوا ينتظرون الموت لحظة بلحظة فلم يكن بعيداً عن احد، فمع كل مدفع يتم اطلاقه على المقاطعة يسقط زجاج المنازل القريبة حتى بات اهالي ذلك الحي بلا نوافذ، يقضون وقتهم في الاستلقاء ارضاً خوفاً من رصاص طائش او مدفع يقصد قتلهم......
كان ندائهم صريحاً (ممنوع التجول والا بطلع من بيته بنطخه) كانوا متوحشين اكثر من ذي قبل كانت الأوامر التي تلقوها تسمح لهم باطلاق النار على اي شيء متحرك دون ان تاخذهم شفقة، ومنذ متى كانت تاخذهم شفقة او رحمة....
استمر هذا الحال عدة ايام سيارات الاسعاف لا تستطيع الوصول الى موقع الاصابات الناس التزمت بيوتها تنتظر الاحداث القادمة، ففي كل دقيقة نسمع شيء جديد، اربع او خمس ايام انقضت ثم جاء رفع حظر التجوال لمدة ساعتين تقريباً، خرج الجميع الى الشوارع ليتفقدوا ما تم تدميره مجنزرات جنود الاحتلال تملئ المكان دمار لكل شيء الشوارع الارصفة حتى الاشارات الضوئية لم تسلم منهم ، السيارات تحطمت تحت عجلات مجنزراتهم كانوا يقصدون التخريب ليس الا، انتهت ساعات المهلة وعادوا ليفرضوا حظر التجوال بكل صرامة، عادت الناس الى بيوتها وكلهم حسرة ولوعة لا يكفيهم ارواحنا بل املاكنا اصبحت دمار، خفت الرهبة بعد ان خرجنا الى الشوارع وعلمنا ايضاً ان كثيراً ما بالغت قناة الجزيرة في نقل الاحداث، فقد تحدثت عن الكثير الكثير من الشهداء ولكن الحمد لله لم تكن سوى اشاعات، ليس معنى ذلك انه لم يكن هناك شهداء بالعكس كان هناك عدد منهم رحمهم الله........



أصبح الأمر بعد ذلك روتينياً لا أعلم لما نعتاد الأمور بسرعة هكذا، أصبح فرض حظر التجوال شيء مألوف وبدأنا قليلاً قليلاً نحاول خرقه، فيجن جنونهم، لم يسلم اي بيت من أذاهم تفتيش تدمير سرقة خراب، دخلوا بيوتاً كثيرة واحتلوها اخرجوا سكانها واستوطنوا هم بها بكل معداتهم وقذارتهم، كانت البيوت المرتفعة بالنسبة لهم تشكل خطراً لذا كانوا يضعون جميع سكان العمارة في شقة واحدة ويحتلون هم باقي العمارة للمراقبة والقنص، منع التجوال يرفع كل ثلاثة ايام لمدة ساعتين ثم يعاد فرضه....
لم تسلم مدينة من دمارهم وشرهم فهاهم يجتاحون المدن الفلسطينة واحدة تلو الأخرى ويمارسون فيها كل اشكال القمع والتعذيب
يعتقلون الشبان ويضعونهم في باحات المدارس كما كانوا يفعلون في الانتفاضة الأولى أو يأخذونهم الى اقرب مقر لهم، يحققون معهم يضربون يطلقون بعضهم ويبقون اللذين يعتقدون ان لهم ضلع ولو بسيط في تنظيم ما....
مخيمات اللجوء انزلوا عليها سخطهم بشكل مريع ومن منا لا ينسى مخيم جنين وما حصل به ومن منا لا ينسى صمود ابطاله ، ومخيم بلاطة البطل الذي صمد امام تدميرهم وحقدهم، لا أعلم لما يخافون منا نحن اللاجئين لما نشكل لهم كل هذا الخطر ليدمروا حتى مخيماتنا الا يكفي ما سرقوه من ارضنا وخيراتنا.......

وتسير الأيام يحمل لنا كل يوم جديد العمليات الاستشهادية نشطتت بشكل كبير شارك فيها العديد شبان وشابات فها هي (وفاء) ابنة مخيم الأمعري تفجر نفسها لتعلن للعالم اننا نقاوم كلنا في خندق المقاومة رجالاً ونساء، يرتفع عدد الشهداء كل يوم جنازات دموع واهات امهات تفقد ابنائها في المعتقلات أو في القبور............

لن أكمل ما تبقى من مذكراتي فالايام مازالت تسير ولا نعلم ماذا يخبئ لنا الغد............

3 Comments:

Post a Comment

<< Home